Saturday, December 12, 2015

البلطجة في مصر

بقلم 

أحمد منصور


كان الفتوات في مصر القديمة هم أصحاب النخوة والشهامة ونصرة المظلوم، وقد تجاوز بعضهم هذه المفاهيم إلى سلوكيات سيئة في بعض الأحيان، لكن البلطجة حرفة أخرى بدأت تظهر وتتغوّل في مصر في نهاية عهد السادات لكنها تفشت إلى حد كبير في عصر الفساد عصر مبارك، حتى صارت صناعة وحرفة يعمل بها ما لا يقل عن نصف مليون مصري، وكان رجال الأعمال وأثرياء الانفتاح هم من شجعوا هذه الصناعة للحصول على ما لا يحق لهم، فكان أي منهم يضع يده على قطعة أرض ليست له أو على أي شيء آخر ويحميها ببعض البلطجية وعلى المتضرر اللجوء للقضاء.
حتى الأحكام القضائية في ظل نظام البلطجة لم تكن تُحترم ولم تكن تنفذ لأن الحاكم السابق كان بلطجيا كبيرا وراعيا للبلطجية، بل كان وزير الداخلية يستخدم بعض البلطجية لتحقيق أغراضه، وعلى سبيل المثال كانت هناك علاقة قوية تربط بين حبيب العادلي وزير الداخلية السابق والبلطجي المشهور صبري نخنوخ، وكان نخنوح من أكبر موردي البلطجية في مصر، فكان كل الفنانين والمطربين والراقصات وغيرهم يطلبون من نخنوخ أن يوفر لهم بلطجية لحمايتهم تحت ستار أنهم حراس شخصيين، وكان كل هؤلاء يطلبون ودّ نخنوخ ورضاه، ويقدمون كل أنواع الهدايا بدءا من الخمور غالية الثمن وحتى النساء من أجل رضا نخنوخ، حتى إنه حينما قبض عليه كان عنده نساء قبض عليهن اتضح أن أحدهم بعثهن هدية إليه ليتمتع بهن في الحرام!!
وقد تطور عالم البلطجية بشكل كبير قبيل سقوط مبارك فقد كان البلطجية هم الذين يحمون رجال الأعمال وهم الذين يسوّدون الصناديق في الانتخابات ويعتدون على المرشحين المنافسين وأنصارهم، وكل بلطجي له سعر حسب الدور الذي يقوم به وحسب قوته وعافيته وجسمه وانسجامه مع ما يكلف به.
بعد الثورة تطور الأمر واستخدم هؤلاء البلطجية من قبل رجال الأعمال ليقوموا بأعمال مضادة للثورة خلال أيامها المجيدة من 25 يناير إلى 11 فبراير مثل الهجوم على ميدان التحرير وموقعة الجمل وغيرها، وقد تطورت البلطجة بعد ذلك وضمت إليها فئات جديدة من عمال التراحيل واليومية الذين لم يكونوا يجدون عملا بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، ولعل قصة حمادة المسحول خير شاهد على ذلك، كما ضمت أطفال الشوارع وأمثالهم، ويمكن متابعة تحويلات النيابة اليومية لهم للأحداث، وأصبح هناك مقاولون وموردون للبلطجية في الأحياء الفقيرة والشعبية في مصر، بعضهم من البقالين وبعضهم من مقاولي الأنفار حيث كانت بعض التجمعات بحاجة إلى أعداد كبيرة من البلطجية.
 وحينما تكون هناك تظاهرات في القاهرة يضطر مقاولو البلطجة إلى استيراد بلطجية من الأقاليم، وكانت المقاهي هي الأماكن التي يتم التعاقد عليها في العادة، وكان أجر البلطجي في البداية مائة جنيه في اليوم لكنه تطور في بعض الأيام والمعارك إلى خمسمائة جنيه في اليوم حسب الحاجة والدور الذي يقوم به البلطجي.
 بعض الدول التي عملت ضد الثورة المصرية حولت ليس ملايين أو عشرات أو مئات الملايين وإنما مليارات إلى مصر سعت من خلالها لأن تسقط النظام بكل السبل، وكانت صناعة البلطجة إحدى الصناعات التي ضخت فيها عشرات الملايين من الدولارات، البلطجية يعانون بعض الكساد الآن لكنهم يستعدون للانتخابات القادمة.

No comments:

Post a Comment